صفي الرحمان مباركفوري

141

الرحيق المختوم

2 - ولما أراد صهيب الهجرة قال له كفار قريش : أتيتنا صعلوكا حقيرا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ؟ واللّه لا يكون ذلك . فقال لهم صهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالي ، أتخلون سبيلي ؟ قالوا : نعم . قال : فإني قد جعلت لكم مالي ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ربح صهيب ، ربح صهيب « 1 » . 3 - وتواعد عمر بن الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاصي بن وائل موضعا يصبحون عنده ، ثم يهاجرون إلى المدينة ، فاجتمع عمر وعياش وحبس عنهما هشام . ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش - وأم الثلاثة واحدة - فقالا له : إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط ، ولا تستظل بشمس حتى تراك فرق لها . فقال له عمر : يا عياش ، أنه واللّه إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فو اللّه لو آذى أمك القمل لامتشطت ، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت ، فأبى عياش إلا الخروج معهما ؛ ليبر قسم أمه ، فقال له عمر : أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول ، فالزم ظهرها ، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها . فخرج عليها معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل : يا ابن أخي واللّه لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال : بلى فأناخ وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه ، ثم دخلا به مكة نهارا موثقا ، وقالا : يا أهل مكة ، هكذا فافعلوا بسفهائكم ، كما فعلنا بسفيهنا هذا « 2 » . هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا ذلك . ولكن مع كل ذلك خرج الناس أرسالا يتبع بعضهم بعض . وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعلي - أقاما بأمره

--> ( 1 ) نفس المصدر 1 / 477 . ( 2 ) بقي هشام وعياش في قيد الكفار حتى إذا هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما : من لي بعياش وهشام ؟ فقال الوليد بن الوليد : أنا لك يا رسول اللّه بهما ، فقدم الوليد مكة مستخفيا ، ولقي امرأة تحمل إليهما طعاما فتبعها حتى عرف موضعهما ، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له ، فلما أمسى تسور الجدار ، وقطع قيديهما وحملهما على بعيره حتى قدم المدينة انظر ابن هشام 1 / 474 ، 475 ، 476 ، وكان قدوم عمر المدينة في عشرين من الصحابة ( صحيح البخاري 1 / 558 ) .